أحمد بن محمد مسكويه الرازي
89
تجارب الأمم
هذا بزمان كثير ، فاستكلب العيّارون والعراة وسلبوا من قدروا عليه من الرجال والنساء والضعفاء من أهل الذمّة والملَّة ، فكان منهم في ذلك ما لم يبلغنا أنّ مثله كان في شيء من الأوقات المتقدّمه . فأمّا في المستأنف [ 1 ] فقد جرت أمور عظام قبيحة مثل هذا وأقبح منه سنذكرها إذا بلغنا إليها إن شاء الله . فلمّا طال ذلك على الناس وضاقت بغداد بأهلها استأمن محمد بن عيسى صاحب الشرطة وعلىّ افراهمرد إلى طاهر ، فضعف أمر محمد جدّا وأيقن بالهلاك وخرج من بغداد كلّ من كانت [ 102 ] به قوّة ، بعد الغرم الفادح وبعد المضايقة [ 2 ] العظيمة والخطر الفاحش ، فكان الرجل أو المرأة إذا تخلَّص من أصحاب الهرش وصار إلى أصحاب طاهر ، ذهب عنه الروع وأمن ، وأظهرت المرأة ما معها من حليّها وغير ذلك ، وكذلك الرجل . ولمّا صارت الحرب بين العيّارين وبين أصحاب طاهر ، خرج قائد من قوّاد خراسان ، ممّن كان مع طاهر بن الحسين من أهل البأس والنجدة ، فنظر إلى قوم عراة لا سلاح معهم ، فاستهان بهم واستحقرهم وقال لأصحابه : - « ما يقاتلنا إلَّا من أرى ؟ » قالوا : « نعم ، هؤلاء [ 3 ] هم الآفة . » قال : « أفّ لكم حين تخيمون عن هؤلاء وتنكصون عنهم وأنتم في السلاح الظاهر والعدّة ، وأنتم أصحاب الشجاعة والبسالة وما عسى أن يبلغ كيد
--> [ 1 ] . كذا في آ : المستأنف . وما في الأصل غير واضح : المستأنف ؟ المسانف ؟ ولم نجده في مظانّه في الطبري ( 11 : 883 ) . [ 2 ] . ما في الأصل يحتمل أن يكون « مصاتعة » ، والمصاتعة : المصارعة . [ 3 ] . في الأصل : هؤلاء ستحقرهم الآفة . وما في آ كما أثبتناه . والعبارة في الطبري ( 11 : 885 ) : نعم ، هؤلاء الذين ترى هم الآفة . وربما كانت ما في الأصل : هؤلاء الذين استحقرتهم هم الآفة .